الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

519

نفحات الولاية

فالعبارتان الأولى والثانية في الواقع إشارة إلى معطيات الطاعة في الحياة الدنيا ، والعبارة الثالثة ترمز إلى آثارها في الآخرة ؛ فهي تحفظه في الدنيا من المخاطر الحاضرة والمستقبليّة ، وفي الآخرة من العذاب الأليم لنار جهنم . وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بهذه الأخطار ، المفاسد الأخلاقيّة والباطنيّة والتي تؤدّي إلى البعد عن هدى اللَّه ، والحال من شأن هذه الأخطار أن تشمل المخاطر الماديّة ، ذلك لأنّ الطاعة الإلهيّة تفيض الأمن الاستقرار على المجتمع البشري وتنزل عليه بركات السماء والأرض وتحد من نسبة الوفيات ، كما أشير إلى ذلك في الآيات الشريفة من سورة نوح : « فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَال وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَّكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً » « 1 » . ثم عاد الإمام عليه السلام ثانية إلى مسألة التقوى والورع ومعطياتها وآثارها ، على أنّ الطاعة والتقوى من قبيل اللازم والملزوم ، فالتقوى تؤدّي إلى الطاعة ، كما أنّ الطاعة عنصر بلورة التقوى في باطن الإنسان ؛ حيث أشار عليه السلام إلى ثمانية من آثار التقوى بعبارات مقتضبة عميقة المعنى فقال : « فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ « 2 » عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا ، واحْلَوْلَتْ « 3 » لَهُ الْامُورُ بَعْدَ مَرَارَتِها ، وانْفَرَجَتْ عَنْهُ الأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا ، وأَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ انْصَابِهَا « 4 » ، وهَطَلَتْ « 5 » عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا « 6 » ،

--> ( 1 ) . سورة نوح ، الآيات 10 - 12 . ( 2 ) . « عزبت » من مادة « عزوب » على وزن « غروب » تعني فيالأصل الغياب والبعد عن العائلة لايجاد مرتع للبهائم‌ثم أطلقت على كلّ غياب وابتعاد . ويقال كذلك للرجال والنساء البعيدين عن أزواجهم ، أو يقال « عزب » على وزن « عَرَب » لمن لم يختر زوجة بعد . ( 3 ) . « احلولت » فيالأصل من « حلو » على وزن « حكم » ، معروف و « احلولت » التي من باب المزيد فيه أخذت معنىالكثرة ؛ وعلى هذا الأساس فإنّ « احلول » يعني الكثير الحلاة ، مثل « اعشوشب » بمعنى الكثير العشب . ( 4 ) . « انصاب » مصدر باب الأفعال بمعنى الأتعاب من مادة « نصب » على وزن « نَسَب » بمعنى التعب . ( 5 ) . « هطل » بمعنى نزول المطر المتواصل . ( 6 ) . « قحوط » بمعنى المجاعة .